ابن تيمية

55

منهاج السنة النبوية

ذَلِكَ مِنَ الْمُنْكَرَاتِ بَعْدَ مَوْتِ الْمَيِّتِ بِسِنِينَ كَثِيرَةٍ مَا لَوْ فَعَلُوهُ عَقِبَ مَوْتِهِ لَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الْمُنْكَرَاتِ الَّتِي حَرَّمَهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، فَكَيْفَ بَعْدَ هَذِهِ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ . وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ قَدْ قُتِلَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ، وَغَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ ( 1 ) ظُلْمًا وَعُدْوَانًا مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْحُسَيْنِ قُتِلَ أَبُوهُ ظُلْمًا ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ . وَقُتِلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ، وَكَانَ قَتْلُهُ أَوَّلَ الْفِتَنِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي وَقَعَتْ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنَ الشَّرِّ ، وَالْفَسَادِ أَضْعَافُ مَا تَرَتَّبَ عَلَى قَتْلِ الْحُسَيْنِ . وَقُتِلَ غَيْرُ هَؤُلَاءِ وَمَاتَ ، وَمَا فَعَلَ أَحَدٌ - لَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَلَا غَيْرِهِمْ - مَأْتَمًا وَلَا نِيَاحَةً عَلَى مَيِّتٍ ، وَلَا قَتِيلٍ بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ مِنْ قَتْلِهِ إِلَّا هَؤُلَاءِ الْحَمْقَى الَّذِينَ لَوْ كَانُوا مِنَ الطَّيْرِ لَكَانُوا رَخَمًا ، وَلَوْ كَانُوا مِنَ الْبَهَائِمِ لَكَانُوا حُمُرًا . وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ بَعْضَهُمْ لَا يُوقِدُ خَشَبَ الطَّرْفَاءِ ( 2 ) ؛ لِأَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ دَمَ الْحُسَيْنِ ، وَقَعَ عَلَى شَجَرَةٍ مِنَ الطَّرْفَاءِ ، وَمَعْلُومٌ . أَنَّ تِلْكَ الشَّجَرَةَ بِعَيْنِهَا لَا يُكْرَهُ وَقُودُهَا ، وَلَوْ كَانَ عَلَيْهَا مِنْ ( 3 ) أَيِّ دَمٍ كَانَ ، فَكَيْفَ بِسَائِرِ الشَّجَرِ الَّذِي لَمْ يُصِبْهُ الدَّمُ ؟ ! . وَحَمَاقَاتُهُمْ يَطُولُ وَصْفُهَا لَا يُحْتَاجُ إِلَى أَنْ تُنْقَلَ ( 4 ) بِإِسْنَادٍ ، [ وَلَكِنْ يَنْبَغِي

--> ( 1 ) ن ، م : مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ . ( 2 ) فِي اللِّسَانِ : الطَّرَفَةُ شَجَرَةٌ وَهِيَ الطَّرَفُ ، وَالطَّرْفَاءُ جَمَاعَةُ الطَّرَفَةِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الطَّرْفَاءُ مِنَ الْعِضَاهِ ، وَهُدْبُهُ مِثْلُ هُدْبِ الْأَثْلِ ، وَلَيْسَ لَهُ خَشَبٌ وَإِنَّمَا يَخْرُجُ عِصِيًّا سَمْحَةً فِي السَّمَاءِ ، وَقَدْ تَتَمَحَّضُ بِهَا الْإِبِلُ إِذَا لَمْ تَجِدْ حِمْضًا غَيْرَهُ . وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو : الطَّرْفَاءُ مِنَ الْحَمْضِ . ( 3 ) مِنْ : سَاقِطَةٌ مِنْ ( أ ) ، ( ب ) . ( 4 ) أ : وَمِنْ حَمَاقَاتِهِمْ كَمَا يَطُولُ وَصْفُهَا لَا يُحْتَاجُ أَنْ تُنْقَلَ ؛ ب : وَمِنْ حَمَاقَاتِهِمْ مَا يَطُولُ وَصْفُهَا وَلَا يُحْتَاجُ أَنْ تُنْقَلَ .